ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

195

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

وبهذا صحّ الفناء « 1 » الذاتي ، فشاهد تعالى بالنظر المذكور على النحو المذكور ، كمالا أخر مستحبا في غيب هويته غير الكمال الأول ، وإذا رقيقة متّصلة بين الكمالين اتصال تحبب تام ، فكان ذلك الكمال الثاني هو الكمال الأسمائي من حيث النسبة الشهوديّة كمال الجلاء واستجلاء وعلم . إن هذا الكمال « 2 » الأسمائي لا يظهر بدون الغير ، فشاء ما شاء ، وفعل ما أراد فالمشيئة عرش الذات ، وإنما قلنا بالمشيئة ؛ لأنه لو كان العالم أعني وجوده لذات الحق لا للمشيئة ؛ لكان العالم مشاركا للحق في الوجود ، وليس كذلك فالمشيئة حكم لذات الحق أزلا وهي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق ، فيصح حدوث العالم وليس ذلك إلا بنسبة المشيئة وسبق العلم بوجوده ، فكان وجود العالم مرجّحا على عدمه ، والوجود والمرجح ساوق الوجود الذاتي الذي لا يتّصف بالترجيح في مرتبة العلم ، فافهم . وإنما قال رضي اللّه عنه : شاء ، ولم يقل : أراد إشارة إلى أن التوجّه كان من مرتبة الذات من الفيض الأقدس ، فإن المشيئة توجّه الذات نحو حقيقة الشيء كان ما كان ، والإرادة تعلق بتخصيص تخصيص أحد الجائزين من طرفي الممكن أعني : وجوده في مقام الألوهيّة ، فالمشيئة عين الذات وعرشها ، وقد يكون متعلقها الإرادة إذا شاء أراد ، والإرادة من الصفات الموجبة للاسم المريد المقتضي للوجود وهي عرش الألوهيّة ، فالمشيئة أقدم وأعم من الإرادة ، فقد تتعلق المشيئة بالإرادة التي تقتضي الوجود فتتعلق بالإيجاد ، وقد تعلّق بالمعدوم لبقائه على أصله ، فمتعلق المشيئة العدم والوجود بخلاف الإرادة ، فإن متعلّقها الوجود .

--> ( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الفناء هو اضمحلال كل متعرض متوهم لا ينتهي إلى غاية محقّقة ، وحقيقته : صدق العدم الذاتي على كل موجود بالعرض في المجاز ، وغايته : صادق من العلم يمحق كل كاذب من الوهم وهو الهلاك الحقيقي ا ه . ( 2 ) الكمال : التنزيه عن الصفات وآثارها . أي : عن كل ما يقيد ذات الحق ، وحقيقته فيخرجها عن إطلاقها ، صفة ، وتجردها عن الاعتبارات مطلق إبقاؤها على الإطلاق الذاتي ، والذي حكمه مع سائر القيود على السواء ، وذلك هو الكمال الحقيقي ، فافهم .